مجالس العجمان الرسمي


المجلس العــــــام للمناقشات الجادة والهادفة والطروحـــات العامة والمتنوعة

رد
 
أدوات الموضوع طرق مشاهدة الموضوع
  #1  
قديم 25-06-2019, 07:30 AM
محمود المختار الشنقيطي محمود المختار الشنقيطي غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Jul 2012
المشاركات: 832
معدل تقييم المستوى: 8
محمود المختار الشنقيطي is on a distinguished road
حياة أميرة عثمانية في المنفى"25"

حياة أميرة عثمانية في المنفى"25"
وتصل سلمى – و زينل – إلى باريس،وتعثر على زميلة دراستها ماري لور،وتصبح نجمة من نجمات المجتمع الباريسي،فهي زوجة أحد ملوك الهند،وترتدي الساري الهندي،وبرفقتها زينل،بزييه المميز،وترغب سلمى ..( - إني أحب أن أدشن "الروب"الذي اشتريته من عند Lanvin ذلك أن له ثنيات "درابيه Drape "غير عادية.
وتقاطعها ماري لور،وكأنها أغضبت غضبا شديدا،وتقول لها :
- أروب يا عزيزتي،إنك مجنونة. البسي من عند لانفان في لوكنوف،إذا كان يشتهيه قلبك،أما هنا فإن عليك أن تلبسي كماهاراني. وإلا فإن كل الناس سيشعرون بخيبة الأمل. فماذا؟ إنها ماهاراني في ثوب مسائي؟ وأنا كيف تكون عيني في عيونهم؟ إن الليدي فيللو تظن أنني أمزح معها مزحة سيئة.
وبدت سلمى،كأنما خاب أملها أيضا،وقالت :
- كنت أظن أني،في باريس على الأقل،أستطيع أن ألبس ككل الناس ..
ولكن ألا تفهمين أن كل هؤلاء السيدات يحسدنك،فقط. لأنك مختلفة عنهن. عفوك يا سلمى. إنك في باريس منذ شهر،ومع ذلك فإن الناس لا يتحدثون إلا عنك،أفتظنين أن أوربية ما،حتى لو كانت جميلة جدا،تستطيع الوصول بسهولة إلى مثل هذه الشهرة؟ إن المجتمع الباريسي قاس جدا،ولكي يحتل فيه الإنسان مكانا ما،يجب أن يكون قد وُلد فيه،أو أن يُسَلّي،أو أن يجعل الناس يحلمون.
وعندما نهضت ماري لور طبعت على جبين سلمى قبلة.
- إن عليّ أن أهرع إلى الحلاق. فإلى المساء. ولا تنسي خصيّك. ولن يصحبك إلا إلى مدخل القاعة،ولكن يجب أن يراه الناس.){ص 663 -664 }.
وانغمست سلمى في الحياة الباريسية،وتعلقت بجراح أمريكي،وبدأت نذر الحرب،وكان الملل (الطفش) يسيطر على حياة الترف،والسهر الذي لا ينتهي،التي تعيشها بعض السيدات،حتى أن سيدة قالت لصديقتها،لا شيء يقضي على هذا الملل غير الحرب .. وضحكتا. .. (وفي بضعة أيام تغير وجه باريس. إذ أنهم أحاطوا الأوابد بأكياس من الرمل،حماية لها،وطلوا باللون الأزرق زجاج المنازل. وفي كل مكان تجد نساء بعمرة (كسكيت) مزينة بشرائط،وساعد،حللن محل الرجال. فهن شرطة السير،وعمال بريد،وجباة باصات،ورؤساء محطات،وسائقات شاحنات ثقيلة.
ولكن الإنسان يفاجأ بتغير مدينة النور،في الليل خاصة. إذ منذ الساعة الواحدة والعشرين،يكون الظلام كاملا،ذلك أن الطريق لا يضاء،خوفا من الغارات. وحتى السيارات،أمرت بألا تضيء مصابيحها،وعليها أن تمشي على ضوء قنديل خافت. أما سلمى التي كانت تذهب أحيانا،مع زينل للعشاء،فلم تعد تخرج أبدا.){ص 700}.
ولم يطل الأمر حتى هدأ الأمور،وكان الانتظار سيد الموقف .. (أما الباريسيون الذين هربوا من العاصمة،لدى إعلان الحرب،فإنهم عادوا إليها. وعادت دور اللهو إلى سابق عهدها،وبدأت دور الخياطة تطلق مبتكراته من ثياب شتوية،وعادت الحياة في شهر تشرين الأول / أكتوبر / المشمس إلى ما كانت عليه من قبل. غير أن فناني الخياطة بسّطوا الفساتين،لكي تروق لأوانس هؤلاء الجنود الشباب العائدين بإذن إلى البلد. إذ يجب أن تكون المرأة أنيقة،على بساطتها،وسيكون ذلك "دُرجة الحرب"التي تذيع الطقوم ذات اللون الأزرق R.A.F.، {في الهامش : Royal Air Force أي بلون سلاح الجو البريطاني.}ومانطويات "التعمية" ذات البقع الشبيهة بجلود النمور،والأقمشة المطبوعة "الدبابات" و"الإنذار الكاذب" و "الهجوم" بإضافة هنا،وهناك،إلى برندوريات (أشرطة عرضناية على الصدر) وبنود أكتاف،وأشرطة،هنا وهناك. وكما كتبت مجلة "حديقة الموضات" : "عليكن أيتها الآنسات أن تبقين جميلات،كما ترغب عيون أولئك الموجودين في الجبهة أن تراكن". ثم إن الإنفاق واجب وطني. وعليكن أن تقمن بهذه المهمة الأساسية التي تستطعن وحدكن القيام بها : أي "العمل على إبقاء الصناعة الكمالية حية لا تموت!".
ولكن سلمى لن تدعم هذا الجهد الحربي الجميل. ولم يعد معها شيء من المال،تقريبا. وعلى الرغم من البرقيات المرسلة إلى أمير،فإنها لم تتلق منه شيئا. وتقول لزينل الذي يعتريه القلق : إن هذا الأمر طبيعي – لأن البريد أصابه الاضطراب – ولكن كل شيء سيعود إلى ما كان،تقريبا.
والحقيقة أنها تتساءل عما إذا كان زوجها لم يسمع شيئا عن علاقتها بهارفي.
وليكن ما يكون،فستتدبر أمرها بنفسها. وستبيع حليها كما فعلت أمها. (..) هاهي القصة تتكرر.
وفي اليوم التالي،تمضي سلمى و زينل إلى جادة Gadet حيث توجد سوق الحلي – بالرخصة – ودخلا واحدة من هذه الدكاكين القاتمة،حيث يوجد رجل بلباس مصقول،والمكبر مربوط على عيونهم،ليفحصوا الحلي بوضع من يشك في سلامتها. آه،ما أبعد ذلك الزمان،زمان سورين آغا اللطيف! ذلك أن هؤلاء التجار المتميزين بالفظاظة يجعلون السيدة الشابة تشعر بأنها سارقة تحاول أن تصرف ثمرة سرقاتها. حتى إن اثنين أو ثلاثة صرحوا بأن أكثر الحجارة مزيفة،أو من نوعية رديئة. ومن حسن الحظ أن زينل هناك. فغضب،وضرب على الطاولة،وهدد باستدعاء الشرطة. وعندئذ بدأ هؤلاء الرجال القاتمون بالتلاطف،وقال أحدهم أنه يستطيع شراء الحلي كلها بخمسين ألف فرنك،لا لشيء،إلا أنه يريد أن يساعد "السيدة". وظنت سلمى بادئ الأمر أنه يهزأ منها،وتقو ل:
- إن هذا لا يساوي حتى واحد من العشرين من قيمتها!
- هذا هو الثمن فإما أن تقبليه،أو ترفضيه،وعاد إلى القسم الخلفي من دكانه.){ص 702 - 703 }.
وتضطر سلمى للبيع بذلك السعر المجحف،بطبيعة الحال. فهي في أمس الحاجة للمال،وعلى وشك أن تضع مولودها :
(- إنك أيها السيد،أب،لبنت صغيرة حلوة.
وخرجت القابلة،مشرقة الوجه،من الغرفة التي كان زينل يقطعها ذهابا وإيابا،منذ الصباح،ذاكرا أسماء الله الحسنى،مستعينا بها. وكانت الشمس قد غابت منذ مدة طويلة،فتتنفس القابلة مرتاحة،بعد أن أرهقت نفسها،تقريبا كالأم التي ظنت عدة مرات أن قلبها على وشك أن يتوقف. فلقد كانت الولادة صعبة بشكل خاص : فهي نحيلة والوليدة ضخمة (ثلاثة كيوليات ونصف الكيلو) "أيها السيد : في وسعك أن تكون فخورا". (..) – وإذن يا زينل ألن تهنئني؟ (..) فاندفع نحو السرير وأخذ يديها،وبدأ يقبلهما وهو يتمتم بكلمات شكر لم تفهمها.
ولما كانت القابلة حريصة على سرية العلاقات الحميمة،فقد استأذنت بالانصراف. وستعود غدا صباحا.
- ومن الآن حتى الغد،فكري بالاسم الذي ستسمينها به،ذلك أنه يجب عليّ أن أذهب إلى دار البلدية،لأخبر بولادتها.
وأجابت سلمى ببسمة لا مجال لتحديها :
- لا تحملي هذا العناء. فزينل سيقوم عنك به. ){ص 704 - 705}.
كانت سلمى قد فكرت كثيرا،وقررت أن تخفي أمر طفلتها،خشيت أن تعاني في الهند،وخشيت أن يضغطوا عليها بها،لتعود هي بنفسها إلى الهند،لذلك ضغطت على زينل حتى وافق أن يكتب :
( "في يوم 14/11/1939،ولدت الأميرة طفلة،ميتة".
لقد كتب ذلك. وبنوع من الخجل،بدأ الخصي ينظر إلى هذه العلامات السوداء،التي تغير،دفعة واحدة،مصير كائن إنساني. فعند الراجاه،هذه الطفلة لم تعد موجودة. وبكلمة واحدة،جعلها تزول.){708}.
وفي الفندق المتواضع تقيم سلمى و زينل والرضيعة،التي أصبح عمرها تسعة أشهر،وذات يوم :
(- يا سيدة!
وكان هذا صوت رب الفندق الذي استوقفها قليلا في اللحظة التي كانت فيها على وشك الصعود في المصعد.
- سيدتي،هل في وسعك أن تقولي لي،كم ستبقين عندنا؟
- ولكني لا أعرف .. ربما بقيت شهرين أو ثلاثة،على ما أظن.
- ذلك أني .. سأكون بحاجة إلى هذه الغرف. فلدينا زبائن ...
وكانت سلمى تنظر إليه بازدراء،مندهشة.
- إن الفندق ليس ممتلئا،فيما أعلم. والسواح ليسوا بهذه الكثرة حاليا!
- لا،ولكن .. حقيقة الأمر : أن طفلتك توقظ الزبائن. وقد رحل عنا كثيرون. وأنا آسف،يا سيدتي،ولكن يجب أن تبحثي عن فندق آخر،أو بانسيون للأسر .. وأنا أعرف واحدا منها،كما ينبغي. (..) فشعرت سلمى بأنها مسحوقة. فلقد كانت على ما يرام هنا،مع هذه الحديقة. وعندما رأى المدير اضطرابها،وما هو بالرجل السيئ،فقد حاول أن يبرر موقفه.
- لقد عملنا ما نستطيع. ذلك أننا لا نرضى أن نأبى استضافة سيدة شابة. أما حول الولادة،فإننا لم نقل شيئا. ولكننا لم نفكر قط في أن الأمر سيتطور إلى هذا الحال! فلو أنك أنت،أو الطفلة،قد حدث لكما حادث – لا سمح الله – إذن لقدرتِ كم هي صورة التعقيد التي تنشأ لنا عن ذلك. (..) – حسنا هيئ لي الحساب.
- وخجل الرجل،وأخذ يعتذر بقدر ما يستطيع.
- ليس الأمر بمستعجل،وفي وسعك البقاء يوما أو أكثر إن شئت ..
- أما بالنسبة إليّ فالأمر مستعجل،حتى بالساعة. {ص 711 - 712 }.
وانتقلت سلمى إلى فندق جادة السكريب،المسمى على سبيل التفخيم "فندق الملك" فندق من الدرجة الثالثة (..) وليس فيه قاعة استقبال،بل فيه غرفة طعام صغيرة،يقدمون فيها طعامهم بسعر ثابت. وعندما رأى الحارس هذه السيدة الأنيقة،ظن أنها ضلت الطريق،ثم إنه لمح السيد ومعه الصغيرة،وفهم أن هؤلاء هم الغرباء الذين أُعلم بأمرهم. (..) وكان لهذا الفندق ميزة أخرى : هي الابتعاد عن عيون القابلة التي ساعدت على ولادة الطفلة.){ص 712 - 713}.
في ذلك الفندق تتعرض سلمى لعملية احتيال،حيث وعدتها إحدى الجارات بأنها سوف تحضر لها قابلة تشهد بأنها هي التي حضرت الولادة .. وتسلمت المرأة عشرين ألف فرنك .. وغادرت الفندق دون أن تترك عنوانا.
وسقطت باريس في يد الألمان،بينما ظل الإنجليز يقاومون،مما جعل كل من ينتمي إلى إنكلترا عدوا .. أما باريس فقد أصبحت ... ( مدينة هادئة بشكل غريب،تخلى عنها ثلاثة أرباع سكانها. وقضت سلمى بعد ظهر ذلك اليوم في البحث عن حليب،لابنتها الصغيرة،ولكنها وجدت الدكاكين مغلقة. ومع ذلك فقد عثرت على سمان باعها،بسعر عال جدا،حلويات جافة وعلبتي حليب مركز.){727}.
وفي ظل تلك الفوضى،رأى زينل أن هذا هو الوقت المناسب لتسجيل الطفلة،والزعم بأن القابلة قد فقدت عقلها،وفرت من باريس .. ( وسارت الأمور على النحو الذي تخيله زينل تماما. (..) – حسنا. لننظر إذن في أوراق هوية الأم،لأنك لا تملك غيرها. الاسم : سلمى. زوجة : أمير،راجاه بادلبور.
وسجلت بكتابة حلوة اسم أمير،وطنت أن الاسم الشخصي هو اسم الأسرة. فيحبس زينل أنفاسه.
- حسنا! والآن : راجاه بادلبور،فما هذا؟ هل هذا هو مهنة الأب. وماذا تعني كلمة راجاه؟
ويتردد زينل. فإن قال تعني : الملك،فمن المؤكد أن أنها ستظن أنه عجوز مجنون.
وعيل صبرها،فقالت :
- لا بد أن له مهنة. فهل هو تاجر؟
ويوافق الخصي،خافضا رأسه،على حين أن الموظفة تكتب بكامل الكفاءة المسكينة :
- هذا هو. إنه تاجر.
وشعر زينل أنه يخون الراجاه. أكثر مما فعل عندما رأى أن يقول له : إن الوليد،مات فورا. وهو لا يجرؤ على تخيل رد فعل الأمير.
وخلافا لتوقعاته،فإن سلمى وجدت في حديثه ما يسليها كل التسلية وقالت :
- لو قُدر لأمير،ذات يوم،أن يعرف هذا،إذن لأمر بشنقك. ولكن لا تكترث.){ص 730 - 731}.
ويخبر صاحب الفندق سلمى أن زوجته تريد أن تشي بها لدى الألمان،فتغادر الفندق .. (وخلال شهر واحد،تنتقل سلمى من فندق إلى فندق ثلاث مرات. وترتعش كلما رأت أحدا من الناس ينظر إليها. وأصبحت ترى في كل مكان أناسا مستعدين للوشاية بها. على كونها تدفع ضعف أجرة الغرفة. ويقولون : "إن هذا أمر طبيعي. فنحن نغامر،وإنما نحتفظ بك عندنا من أجل الطفلة"ولكن من يدري،إذ قد تشي بك جارة،أو خادمة في الفندق. وفعلا فإن الألمان وعدوا بجائزة لمن يصرح لهم عن المشبوهين. أوَليست من بين هؤلاء في المقام الأول باعتبارها إنكليزية؟ (..) وفي مثل هذا الجو القائم على فقدان الثقة والكذب،فإن جمالها،وطريقتها في الإحساس والشعور،وسمتها"المختلفة"التي كثيرا ما كانت رصيدا لها،أصبحت الآن مصدر خطر. ومهما تفعل لتكون كسائر الناس،فإنها تظل موضوع ملاحظة. وذات يوم،صادفها رجل يحب المغامرة مع النساء،وكانت قد أوقفته عند حده،فقال لها غاضبا :
- آه،إنك شديدة الزهو بالنفس،ولكن إذا رحت وأخبرت الألمان عنك،ومن أنت،فلن تكوني بعد ذلك في مثل هذا الزهو،فما رأيك؟
ولم تشأ سلمى أن تخاطر بنفسها من جديد،فأرسلت زينل يسدد الحساب. وبعد نصف ساعة،غادرت الفندق،ولفت البنت الصغيرة بشال.
وانتهى الأمر بها وبزينل إلى جادة الشهداء في بيت حقير دلوها عليه،لأنه يقبل الأجانب،متى كانوا قادرين على الدفع. ){ 733 }.
ونفد ثمن المجوهرات،التي ظلت سلمى تبيعها قطعة بعد أخرى. وكانت رغم كل شيء تذهب،في بعض الأحيان،إلى بعض الأماكن الجميلة وتتناول وجبة،أو تشرب فنجان من الشاي ... ثم قابلت خياطة اسمها شارلوت،اكتشفت أن الثوب الذي ترتديه سلمى من صنعها،وانحنت للتأكد من بطانة الثوب،ذلك أن رئيسها كان يقول لها أن أحدا غيرها لا يجيد مثل تلك (الطُعن) حسب ما جاء الترجمة،أو (الغرز) .. فنشأت صداقة بين الشابتين ..
(ثم إن سلمى سلمت إليها أروابها المسائية،طالبة منها أن تبيعها لها. وهذا ما قامت به خير قيام. (..) منذ أن وزعوا على الناس قسائم التموين،ذلك أنها أعطت سلمى ما لديها من قسائم تتعلق بالحليب،وتقول :
- أما أنا،فالحليب يمرضني في القلب.){739}.
وتم القبض على شارلوت،لأنها يهودية،ويزداد الوضع سوء ...(فما من شيء يجده الإنسان في السوق السوداء،حيث كل شيء موجود،ولكن بأسعار لا تقارب. وتشتري سلمى ما لابد من شرائه من أجل الطفلة. أما هي وزينل،فإنهما يكتفيان بالقلقاس الرومي (نوع من البقول) والملفوف. وحتى البطاطا،فإنها قد أصبحت من عالم الكماليات العظيمة،حتى أن الصحف تعلن عن قدومها إلى السوق قبل ثلاثة أسابيع. وللإنسان الحق في 28 غراما من اللحم و 50 غراما من الخبز الأسود القاسي. أما السكر فإن حصة الإنسان هي نصف كيلو في الشهر. لكن القهوة ذكرى قديمة العهد. وليس ذلك بالأمر الخطير،ذلك أن الصحف تقدم وصفات من نوع خاص لعمل قهوة"لذيذة"من الشعير المشوي أو من البلوط. (..) وأخذ الخصي على نفسه أن يقوم بتدبير الحاجات،ذلك أن الحصول على هذه الحصص التافهة،يحتاج إلى الوقوف في الصف طول النهار. ويرى أن هذا هو وظيفته،وليس وظيفة الأميرة. وتراه يلح على مثل هذه التفاصيل العائدة لعهد آخر،وانتهت سلمى إلى القبول بذلك،لأنه في أيام الشقاء التي هو فيها،يتعلق بقيم يجد أنها ضرورية له كالهواء. أما الشيء الذي لا يقوله،فذلك هو أنه يظل قلقا عليها. وحقا فإنها لم تكن قط سمينة. أما الآن فإن نسمة من الهواء كافية لجعلها تقع على الأرض. وكثيرا ما انتابتها – وهي في الطريق – آلام غير واضحة،ودُهش الناس من حولها،لأنهم لا يتخيلون أن سيدة في مثل هذه الأناقة يمكنها بكل بساطة أن تتألم من الجوع. ولكنها لا تتألم لذلك : فمع قلة الطعام،تتعود المعدة على ذلك،وتتلاءم معه. وكان شتاء هذا العام 1940 مخيفا. فالناس في الخارج يرتجفون من البرد،كما يرتجفون منه داخل الغرف. وما من فحم للتدفئة هذا العام،حتى أن سلمى لا تجرؤ على فتح نوافذ الغرفة،لتهويتها،لأنها ملتصقة من الخارج بطبقة من الجليد. وذات صباح وجدت عصفورها الذي اشتراه لها هارفي،ميتا في قفصه من شدة البرد. فهطلت دموع عينيها هذه المرة،وهي التي تحملت حتى الآن كل شيء. إنه شيء من هارفي قد مضى .. وتأبى بطبيعة الحال أن ترى في ذلك فألا سيئا. ولكنها لا تستطيع أن تمنع نفسها من هذا التفكير : ففي الشرق،ينتبه الناس إلى مثل هذه الأشياء ..){743}.


إلى اللقاء في الحلقة القادمة .. والأخيرة .. إذا أذن الله.
س / محمود المختار الشنقيطي
س : سفير في بلاط إمبراطورية سيدي الكتاب.

 

التوقيع

 

أقول دائما : ((إنما تقوم الحضارات على تدافع الأفكار - مع حفظ مقام"ثوابت الدين" - ففكرة تبين صحة أختها،أو تبين خللا بها .. لا يلغيها ... أو تبين "الفكرة "عوار"الفكرة"))

 
 
رد مع اقتباس
رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
طرق مشاهدة الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع إلى

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
حياة أميرة عثمانية في المنفى : كينيزي مراد"17" محمود المختار الشنقيطي المجلس العــــــام 0 19-06-2019 07:14 AM
حياة أميرة عثمانية في المنفى"24" : (الأخيرة) محمود المختار الشنقيطي المجلس العــــــام 0 19-05-2015 09:56 PM
حياة أميرة عثمانية في المنفى"24" : (الأخيرة) محمود المختار الشنقيطي المجلس العــــــام 0 19-05-2015 09:56 PM
حياة أميرة عثمانية في المنفى"3" محمود المختار الشنقيطي المجلس العــــــام 0 06-05-2015 09:03 AM
حياة أميرة عثمانية في المنفى"1" محمود المختار الشنقيطي المجلس العــــــام 0 26-04-2015 11:20 AM

 


الوقت في المنتدى حسب توقيت جرينتش +3 الساعة الآن 04:59 AM .


مجالس العجمان الرسمي

تصميم شركة سبيس زوون للأستضافة و التصميم و حلول الويب و دعم المواقع