مجالس العجمان الرسمي


المجلس العــــــام للمناقشات الجادة والهادفة والطروحـــات العامة والمتنوعة

رد
 
أدوات الموضوع طرق مشاهدة الموضوع
  #1  
قديم 11-05-2015, 08:07 AM
محمود المختار الشنقيطي محمود المختار الشنقيطي غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Jul 2012
المشاركات: 864
معدل تقييم المستوى: 9
محمود المختار الشنقيطي is on a distinguished road
حياة أميرة عثمانية في المنفى"5"

حياة أميرة عثمانية في المنفى"5"
هذه الحلقة،أبعد ما تكون عن أجواء الاحتفالات التي طغت على الحلقة الماضية .. (وكانت خديجة السلطانة تمضي كل أسبوع لزيارة مستشفى هازيكي ،في مركز المدينة،لكي تحمل إلى الجنود المرضى أو الجرحى،شيئا من الدعم المعنوي وبعض الهدايا الصغيرة. وحتى ذلك الحين،لم تكن قد أخذت معها سلمى،خوفا من أن تتأثر بهذه المناظر تأثرا سيئا. ولكن البنت أصبحت في السابعة والنصف،وتفهم الكثير من الأشياء. ومن ناحية أخرى،فإن السلطانة من أنصار الرواقية،(الصبر على المكاره). ولما كانت،من أبكر العمر،قد عاشت أقسى التجارب،وخرجت منها سليمة،فإنها ترى أن لا شيء يساوي التجربة والاختبار،في تعديل الطبع وتثقيفه. ولقد رأت النساء الجميلات من بنات الطبقة الممتازة في إستانبول،تلك الآثار السيئة للتربية الضعيفة،المرخية للعزم،فلم يعد في وسعها ألا أ، تحرص على صيانة سلمى منها.
وعندما أخبرت زوجها بعزمها هذا،فإن هذا الرجل،اللامبالي في العادة،غضب غضبا شديدا.
- إنك تريدين إفساد حياة هذه الصغيرة. وسيكون لديها الوقت،فيما بعد،لترى ألوان الشقاء،وربما تعيشها أيضا – من يدري؟ فدعيها إذن تعيش هادئة.
ولكن السلطانة ترى أنها الحكم الوحيد هنا فيما يتعلق بتربية ابنتها،كما هي كذلك في كل ما يتعلق بشؤون البيت. وإذا هي تركت لزوجها أن يهتم بتنشئة ولدهما خيري – ذلك أن الصبيان،في ديار الإسلام،إنما يربون بدءا من السابعة من العمر،على أيدي الرجال – فإنها ستقبل ما تقضي به التقاليد طبعا،ولكنها تشك في أن تكون هذه التربية ناجحة. ذلك أن جبن كبير أولادها يجرح كبرياءها.(..) ومن حسن الحظ أن يكون الأمر شيئا آخر مع سلمى،فخديجة تجد فيها قوة شبابها وشجاعتها. أما خيري،فيبدو أنه يميل إلى أبيه. وانتهت هي باليأس من ابنها وزوجها. معا.
ومع ذلك فإن الله وحده يعرف أنها أحبت خيري رؤوف بك،بكل ما في المرأة من عنف في الحب،إذا كانت في الثامنة عشرة من عمرها،وبكل مطالب المرأة التي كانتها في الثامنة والثلاثين عندما التقته. ولربما كانت قد أسرفت في مطالبته بما لا يستطيع. وهكذا فإن أحلامها كمراهقة وحيدة،وكامرأة أسيء إليها من زوجها الأول الذي كانت تكرهه،قد نقلتها إلى زوجها الثاني. (..) وذات صباح حار من أيام تموز / يوليو /،مضت السلطانة هي وابنتها إلى المستشفى. وكانت سلمى قد قضت نهار البارحة بصنع حزم صغيرة كهدايا للجرحى. وقامت إحدى الكالفات بتهيئة مناديل الشاش الزهرية. وفي كل واحد منها،وضعت علبة من التبغ،وحلوى وبعض النقود،ثم غلفت بشريط جميل من الساتان الأزرق. وهنالك المئات من هذه العلب،تملأ حتى القمة،جملة السلال المزينة بإطار من القماش الملون. وهذه تقدم انطباعا أجمل،وسلمى سعيدة جدا،لا تكاد تهدأ،من فرط الفرح،بعملية غير مألوفة من هذا النوع.(..) وأخيرا يصل الركب إلى إستانبول القديمة {في الهامش : كانوا يطلقون هذا الاسم على الحي القديم من استانبول} (..) وأبعد من ذلك تقوم سوق صغيرة. وهناك باعة سمان يعتلون عرشهم فوق أهرامات الخضار والفاكهة،ويقدمون لربات البيوت المحجبات بمناديل سوداء ما يحتجن إليه من بضاعتهم. وتحت شجرة من الأشجار يجلس الكاتب الشعبي،مع مجموعة أقلامه،ومحبراته،ويكتب عروض حال للناس،بوقار،على حين أن سيدات عجائز،يجلسن على الأرض ويحزرن المستقبل،برمي عظيمات على قطعة من سجادة قديمة. (..) وبعد ساعتين من بدأ الحركة،وصل الركب سالمين،ووقفت العربات جامدة في فناء المستشفى. ولم تنتظر سلمى أن يأتي زينل ليفتح لها الباب،بل قفزت منه قفزا على الأرض. فهي متلهفة لرؤية المحاربين الشجعان"كما يسميهم خالها فؤاد".
المستشفى بناء كبير،رمادي اللون،بُني في القرن السادس عشر،بأمر من السلطان سليمان الرائع. ودخلت السلطانة وابنتها متبوعة بخادماتها،في البهو الكبير،حيث كان ينتظرهم مدير المستشفى. وانحنى بأكثر ما يستطيع أمام السلطانة،وألح عليها أن تمر بمكتبه لبعض الاستراحة وتناول القهوة قبل زيارة المرضى. ولكن السلطانة أبت ذلك عليه،على أكبر فرح من سلمى،وتحمل هذا الرجل الصغير سوء حظه بقلب طيب (..) وما إن دخلت الجماعة في الممر الأول حتى شعرت البنت الصغيرة أن حلقها تملكته رائحة حامضة حلوة،تنتزع منها قلبها. فتعض على أسنانها قائلة : لا مجال لان أكون مريضة! ولكن كلما تقدم الزوار قليلا،ازدادت الرائحة ثقلا،وقلّ احتمالها. وتفكر البُنية قائلة : "ما أغرب هذه الأدوية!". ولم تفهم القضية إلا عندما وصلت إلى الممر الثاني،وأصابها الرعب. ففي الأرض،وفي كل الزوايا،كانت هناك سطول صغيرة مفعمة بضمادات لطخت بالدم وفضلات الإنسان. وهناك رجال متمددون على فراش،أو على مجرد غطاء،وهم يئنون. وبعضهم ينادي أمه. وآخرون رؤوسهم مقلوبة،وعيونهم مغمضة،يبدو أنهم يتنفسون بصعوبة. وفي هذا الممر الذي لا هواء فيه،لا يوجد أقل من مئة. وإلى جانب بعض المتميزين نجد امرأة – هي أخت؟ أو زوجة؟ تسند عنقا،أو تعطي كأس ماء،أو تطرد الذباب الذي أغراه الدم.
وشرح المدير القضية فقال :
إن هذه الفضلات تبقى هنا ليلا ونهارا. ونحن نتسامح بذلك،لأنه ليس عندنا من عناصر الخدمة ما يكفي للقيام بواجب هؤلاء المساكين.
فالممرضة،وهي فتاة ترتدي صدرية بيضاء،طويلة،وشعرها مرصوص بوشاح أبيض،هي الوحيدة التي تخدم كل غرف هذا الممر. وهي تقسم وقتها بين إعطاء الإبر،وأخذ الحرارة،وتوزيع الأدوية القليلة التي لا تزال جاهزة. وليس لديها أي وقت لراحتها الشخصية.ومع ذلك فإنها لا تزال تحتفظ بالبسمة،وتجد كلمة مواساة لكل مريض. وسلمى التي لم تعد لديها إلا رغبة واحدة،هي الهروب من هذا المكان،وتشعر فجأة بالخجل : إن عليها أن تقاوم.
وبعد أن اجتازت الأم و ابنتها بعض الأمتار،التي بدت لها وكأنها لا تنتهي،دخلتا في قاعة كبيرة. وهنا،تصبح الرؤية أوضح. فلوحظت نوافذ عالية تثقب الجدران مطلية باللون الأزرق لاستبعاد "العين"،كما أن الأسرة تمتد على صفوف طويلة. وكان المرضى قد ناموا على الفُرش مباشرة،لأن الأغطية انتزعت منذ مدة طويلة لتحل محل الضمادات المفقودة – وبين هؤلاء ممن هم،في أكثر الأحوال في أول الشباب – من يئنون من الألم.(..) ثم إن أغلب المرضى يتقاسمون الأسرة الضيقة،اثنين اثنين. ومع ذلك فهم محظوظون لأن الموشكين على الموت،أولئك الذين لا ينتظر منهم أحد إلا النفس الأخير،وُضعوا تحت الأسرة،خوفا من أن يفقدوا المستشفى محلات ثمينة. وفي كل صباح،يتكرر الشيء نفسه،إذ ترفع الجثث لردها إلى أسرها،أو يلقى بها في الحفرة العامة. ويؤتى من جديد بالجرحى الذين لا يرجى بقاؤهم أحياء،فيوضعوا تحت الأسرة،وهكذا ... على حين أن القادمين الجدد يوضعون في مكانهم.
وترتجف سلمى،مقسمة بين الغثيان والاستغراب. وتتساءل : "أين هم إذن محاربونا الشجعان؟". وهي لا تستطيع أن تربط بين الجنود الذين أُعجبت بهم في الاستعراضات،وبين هذه المخلوقات التي يشتد منها الأنين. وكأنها تحب أن تبكي،,لكنها لا تعرف ما إذا كانت تبكي بداعي الشفقة،أو بداعي خيبة الأمل. فالشجاعة أمام الموت،والفرح بأن يهب الإنسان حياته للوطن،أكل هذه العواطف التي يكثر الجنرال – الأمير من الحديث عنها،ليست إلا كذبة كبيرة؟
وتحس عندئذ بأن أمها تضغط على يدها،وتقول :
- هيا،يا بنيتي الصغيرة،تشجعي،أنا هنا. غير أن هذا الحنان اللا مألوف يدخل إلى نفسها الاضطراب أكثر وأكثر أيضا،فتتوسل قائلة : أيندجيم! أرجوك لنمض.
فتهز السلطانة رأسها بوقار حزين،وتقول :
- يا سلمى،إن هؤلاء الرجال في نهاية البؤس،أو لست قادرة على منحهم شيئا من المواساة؟
وتود سلمى لو أجابت بكلا،وأنها لا ترغب بعد الآن في رؤيتهم،وأنها تحتقرهم لتألمهم بهذه الصورة التي زال منها الخجل ... إنهم حيوانات! وفجأة ترى بأنها لم تعد تشعر لا بالشفقة ولا بالخوف،ولكن فقط بغضب هائل ضدّ هؤلاء الجرحى،وضد الجنرال – الأمير. بيد أنها تسمع نفسها تجيب :
- بلى،أيندجيم.
وتبدأ بتوزيع الهدايا الزهرية والزرقاء. وتجد خديجة أمام كل سرير كلمة مواساة مناسبة. أما الأقل ضعفا بين هؤلاء،فيشكرونها بابتسامة. وبعضهم يتمسك بها،كما لو أن وجود هذه السيدة الجميلة الرصينة في عالمهم المرعب،يمكن أن يدفع عنهم الموت. والبعض الآخر،يحولّون رؤوسهم عنها.
وتتابع سلمى،وهي ممتلئة حقدا،وعيناها مثبتتان على أحذيتها البيضاء،فتشعر فجأة بأنها اختطفت : ذلك أن رجلا شدها إلى سريره وهو يدمدم القول : "نجلا،يا طفلتي الحبيبة"،وعلى وجهه سمات الضياع. فبدأت سلمى تصرخ،مرعوبة. فأسرعت أمها وأنقذتها مباشرة. ولكن بدلا من أن تبعدها عنه،أبقتها بجانبه،وأحاطتها بيدها الحامية.
- إن هذا الجندي المسكين يظن أنك ابنته. فدعيه يتأملك،فلعل لحظته هذه هي آخر سعادة له في هذه الدنيا.
أنا ابنته؟ فتتصلب – ترى كيف يتجرأ؟
ومرت دقيقة،وكأنها زمن طويل. ثم إنها بصورة غير محسوسة،وأمام النظرات المفعمة حبا لهذا الأب المستعار،بدأت تشعر بذوبان عدائها،وتشاركه في البكاء رغما عنها.
وبعد شهرين .. ){ص 56 - 62}.
عفوا. انتهت الحلقة .. فإلى اللقاء في الحلقة القادمة ... إذا أذن الله.

إلى اللقاء في الحلقة القادمة ...إذا أذن الله
س/ محمود المختار الشنقيطي المدني
س : سفير في بلاط إمبراطورية سيدي الكتاب

 

التوقيع

 

أقول دائما : ((إنما تقوم الحضارات على تدافع الأفكار - مع حفظ مقام"ثوابت الدين" - ففكرة تبين صحة أختها،أو تبين خللا بها .. لا يلغيها ... أو تبين "الفكرة "عوار"الفكرة"))

 
 
رد مع اقتباس
رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
طرق مشاهدة الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع إلى

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
حياة أميرة عثمانية في المنفى"4" محمود المختار الشنقيطي المجلس العــــــام 0 08-05-2015 09:56 PM
حياة أميرة عثمانية في المنفى"3" محمود المختار الشنقيطي المجلس العــــــام 0 06-05-2015 09:03 AM
حياة أميرة عثمانية في المنفى"2" محمود المختار الشنقيطي المجلس العــــــام 0 03-05-2015 08:07 AM
حياة أميرة عثمانية في المنفى"1" محمود المختار الشنقيطي المجلس العــــــام 0 26-04-2015 11:20 AM
الجانب الإنساني في حياة " محمود شاكر" يرويه ابنه "فهر" ابومحمد الشامري بوح المشاعر 8 30-07-2005 03:41 PM

 


الوقت في المنتدى حسب توقيت جرينتش +3 الساعة الآن 03:38 AM .


مجالس العجمان الرسمي

تصميم شركة سبيس زوون للأستضافة و التصميم و حلول الويب و دعم المواقع